علي ال غراش - كريمو.. الخطر والفضيحة والعنصرية!    ||   جمعية حقوق الإنسان أولا تطالب بوقف ملاحقتها للحقوقي صالح اليامي ، وتعقيب منبر الحوار والإبداع على ذلك    ||   محمد الرطيان - دعاء خاص في ليلة السابع والعشرين !     ||   رياض الزهراني - اطلاق حملة بمناسبة تعيين الامير مشاري بن سعود اميرا للباحة    ||   السلطات البحرينية تعلن تفكيك "شبكة سرية" وتعتقل العشرات    ||   هجمة وتفنيد لتصريحات هوكينغ حول خلق الله للكون     ||   علي الزهراني - السعودي قرقر كثير ...!!    ||   نبيل المعجل - صديقي …حتى لا تأكل نفسك    ||   حمد الناصر الحمدان - الجمعيات الخيرية ودورها الإنساني    ||   عبدالعزيز بن فهد العيد - اختاروا إما (هيئة) أو (ضيعة) للصحافيين    ||   عبدالرحمن اللهبي : يومياتي..(الأسبوع التاسع)    ||   متطوعون يطلقون حملة عبر "فيس بوك"، تحت مسمى "حملة كلانا".    ||   سيد القمني - عقلهم ونقلنا !!!    ||   الليبرالية والدين بين التنازع والأحتواء    ||   
 

القائمة الرئيسة

  • صفحة البداية
  • من نحن
  • نافذة العضوية
  • راسلنا
  • تسجيل عضوية

  •  

    آخر الموضوعات

  • د. عبدالعزيز حسين الصويغ - روضة ورجالها الأربعة!
  • عمر بنعطية - كيف فجرت رسائل امرأة سعودية حربا نسائية مغربية خليجية؟!
  • بدرية البشر - «الهيئة» و«الإنتربول»
  • ليلى أحمد الأحدب - الفقه الذكوري وما ملكت أيمانكم
  • حمد الباهلي - المحرم.. المبتعثون والهاجس المزعج
  • د.خالد الحروب - المشروع النهضوي... والعدالة الاجتماعية
  • سامي جاسم آل خليفة - في السعودية سنطلقها حملة: سنشتري من بندة قرنفلا وقشدة
  • خالد غزال - عن مسار تصدّع الدولة العربية وأخطارها
  • مرام عبدالرحمن مكاوي - أيحق لنا الاحتفاء بها؟
  • الدكتور محمد كشغري : تعميم تجربة كاشيرات بندة بعد العيد


  •  

    مواقع صديقة

  • منتدى الحوار الثقافي
  • ديوانية الملتقى الثقافي
  • منتدى الثلاثاء الثقافي


  •  

    محرك البحث





    بحث متقدم


     

    القائمة البريدية



     

    دخول الأعضاء

    المستخدم
    كلمة المرور

    إرسال البيانات؟
    تفعيل الاشتراك



     


    منبر الحوار و الإبداع » الأخبار » مقالات مختارة


    د. محمد حامد الأحمري - عائدا من معرض طهران للكتاب

      

    إيران القادمة إن لم تكن علمانية، فستكون أقل تدينا عما هي عليه الآن، وأكثر ما يبعد الناس عن التدين، أن الدين أصبح حكومة وربُط بها، وحكام إيران هم الآيات ومن لفّ بهم، وكان معهم ولهم عون كبير من القوة العسكرية التي عانت من مواجهة مع العراق، فأصبح الجيش مندمجا في الرسالة الدينية والقضايا الوطنية، وترى معسكرات الجيش ومراكزه في كل مكان ربما أقل من ظهوره في مصر، ولكنه حاضر في المشهد..
    د. محمد حامد الأحمري

    عائدا من معرض طهران للكتاب

    27-7-2010
    إيران القادمة إن لم تكن علمانية، فستكون أقل تدينا عما هي عليه الآن، وأكثر ما يبعد الناس عن التدين، أن الدين أصبح حكومة وربُط بها، وحكام إيران هم الآيات ومن لفّ بهم، وكان معهم ولهم عون كبير من القوة العسكرية التي عانت من مواجهة مع العراق، فأصبح الجيش مندمجا في الرسالة الدينية والقضايا الوطنية، وترى معسكرات الجيش ومراكزه في كل مكان ربما أقل من ظهوره في مصر، ولكنه حاضر في المشهد.. ولا يليق أن يستهين أحد بنتائج المقاطعة الغربية الطويلة لإيران، وإلزام العالم بما فيه المسلمون بحصارها، ذلك الحصار الذي لم ينجح في كسر شوكتها القومية ولا الدينية، فقد ساعدتها العزلة على تطوير نفسها في عالمها الخاص في كل شيء، خسرت كثيرا من الحصار، ولكنها في الوقت نفسه وبخليط من الدين والروحانية والقومية والثقة في النفس، ترعى أو تصنع تيارا متعاليا غاضبا يتزايد، قد تكون نتائجه وخيمة على الجوار كله،
    بقلم د. محمد الأحمري

    1

    كلفنا بأخبار الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى وكنا كبقية شباب المنطقة نتقد لمعرفة أخبارها على البعد، فألذ طعوم الحياة للشباب ما كان ثورة واحتجاجا، فلم نر الثورة إلا كهولا، نشهدها اليوم وقد عجزت وسُدّت عليها الطرق، وأصبحت بأمس الحاجة إلى ثورة. فقد انطلقت وأنا في السنة الأولى في الجامعة، وكنا كثيرا ما نتخلص من الدرس ونجرّ الأستاذ للحديث عما يحدث، كنا في قسم التاريخ يحاضرنا الدكتور رشيد الناضوري متخصص في التاريخ القديم، أستاذا زائرا ويتحدث عن الحضارة ـ الإخمينية ـ ثم يقلب الحديث إلى الخميني، ليرضي أمزجتنا المتوثبة لمعرفة ما يدور، وكانت عواصف الثورة تهز العالم، فأنى لنا أن نصبر على هجرة ثلاثة آلاف عام للوراء، وأن نترك ما نرى!

    ولم تكن الثورة قد نجحت، وفي ذلك الزمان المظلم من قلة المعلومات كان الناس منجذبين لإذاعات البي بي سي ومونت كارلو وإذاعة إسرائيل بحثا عن خبر صحيح عما يدور على الضفاف الشرقية للخليج. وكان أغرب ما نستغربه آنذاك أن يقود شيخ تغييرا!

    كانت علاقات بلادنا بالشاه حيوية أخوية، وكانت الإذاعة مشغولة بأخبار زيارات وزير الشاه ذي الاسم المسجوع: "علي خلعت بري" كانت مادة للسماع في الراديو كثيرا إما قادما أو مغادرا، وقد مللنا ترداد الاسم، وعندما قارب الشاه السقوط أو بعدما سقط صدر بيان من الديوان يؤيد الحكم الشرعي للشاه! فهل كان البيان بإلحاح من الخاسرين أم مجاملة وتسلية لهم، أم كراهية للقادمين؟ كان بيانا محيرا في توقيته منذ ذلك اليوم وإلى اليوم.

    لم نكن نتوقع أن تشغلنا أخبار الثورة وحروبها وأفكارها أكثر من عقد من الزمان، وكان أول احتكاك مع الشيعة في أوائل قدومي لأمريكا أواخر عام 1985م فبعد أن أنهى إمام من مكة حافظ للقرآن صلاة العشاء ولما هم بالاستمرار لصلاة التراويح تقدم شاب لبناني بسلاحه وطلب منه أن يترك الإمامة وإلا فرّغ في رأسه رصاص مسدسه. ذهبت بعدها إلى عدة مدن منها مدينة ماديسون في ولاية ويسكانسون، وبعد صلاة الجمعة كان واقفا على باب المسجد شاب يمني يوزع مجلات تؤيد الثورة، ولم أفوّت فرصة الحصول على المنشورات، وكالعادة تبدا عاصفة من النقاش، وكان في المدينة الشخص الثاني من شباب حزب البعث العراقي الذي كان يترنح في أمريكا، وقد تاب صاحبي من بعثيته وتحنبل كغالب سنة العراق، يكبرني ببضع سنين وكان حاذقا ممتعا قبل أن تأكل قلبه صروف الزمان.

    ولما أصبحت قادرا على القراءة بالانجليزية لكتب الفكر والسياسة قرأت ما توقعته رسالة دكتوراة لبروجردي نشرتها جامعة سركيوس في نيويورك عن المثقفين الايرانيين والغرب 1996م، وكتب نكي كيدي وغيرها، وكنت أسافر للندن وكان يصلها عدد كبير من كتب مترجمة عن الفارسية وأولها قطع مترجمة من كتب علي شريعتي فقرأت جميع ما تيسر وهو قليل غير أن تلك التراجم ساعدت في تصور ما حدث ومعرفة ما يحدث، وكان للمعارك الكلامية بين السلفيين والإخوان ما يدفع لمعرفة المزيد. فأعطيت الموضوع حقه فيما رأيت منذ نهاية الثمانينيات حتى خرج الكتاب الرائع "من بلاط الشاه إلى سجون الثورة" لإحسان نراغي، ومن قبله كتاب فهمي هويدي "إيران من الداخل" وهو أهم ما ألف باللغة العربية، أما كتاب هيكل "مدافع آية الله" فلم يكن بذاك.

    2

    منذ أكثر من عام تلقيت دعوة من مؤسسة رسمية أو شبه رسمية في إيران قريبة من وزارة المعارف أو التربية تدعوني لحضور مؤتمر ثقافي، ففتحت الإنترنت باحثا عن هذه المؤسسة، فوجدتها مؤسسة تهتم بالثقافة وتعطي جوائز لمثقفين كان أحدهم "حامد ألجر" وهو أستاذ شهير يدرس في جامعة بيركلي في كاليفورنيا، ويكتب بالانجليزية عن إيران وعن الأفكار في المنطقة، قرأت له أول ترجمة موسعة لعلي شريعتي في مجلة "المسلم المعاصر"، ثم غابت أخباره، حتى قابلت أحد تلاميذه المخلصين في مؤتمر للمستشرقين، فعرفت أنه بدأ في التسعينيات بإصدار سلسلة كتيبات يبدو أنه يفكر في أن تكون موسوعة عن الأفكار الإسلامية منها الجزء الذي كان مثيرا عن الوهابية وقد ترجم للعربية مبكرا، ولم يخل من تحامل ضدها ومبالغة.

    ولما بلغتني الدعوة اتصلت بصديق شهير: ما ترى يا صاحبي في زيارة إيران فقد دعيت إلى مؤتمر فيها؟ وكانت العلاقات العربية الإيرانية سيئة وتسوء، فرد علي ناصحا بعدم الذهاب، ثم مر أكثر من عام وإذا الدكتور عبد العزيز الثنيان أحد كبار الناشرين العرب "العبيكان" يتصل: وبعد السلام افتتح المكالمة بمدح آخر كتاب نشرته: "نبت الأرض وابن السماء، الحرية والفن عند علي عزت"، ثم عقب إن الكتاب "جوهرة"، ولكنك أنت الذي تتحدث على لسان علي عزت، ولم يخف تهمته لي بأني اتخذت من علي عزت مطية لقول أشياء في البال، أو نحو هذا، فأكدت أني وثقت النصوص ولم يكن لي إلا دور العرض والترتيب لآرائه، وبدا أنه لم يقبل قولي، فشكرته على المدح وكم يحتاج من يعمل عملا ولو يسيرا إلى كلمة تشجيع، من مثقف بارز. ثم اقترح السفر إلى معرض طهران للكتاب؟ وكان بعد نحو أسبوع، في الشهر الخامس لعام 2010م وأكد لي عزمه، فقلت سبق أن دعوني فلم أذهب ونصحني صديق بعدم الزيارة، وأنت من المعصومين من اللوم، أما نحن ف.. لعلي قصدت لنا نكد المثقفين، قال: "لا تحاكي" أي لا تناقش، أطلق العبارة بكل ما يحمل من إرث بيروقراطي مع أنه يعجبه أن يوحي بأنه ديمقراطي، قلت أعطني وقتا وسأفكر وأرد عليك، سألت القريب المشير فقال: "خذني معك"، قلت وهل كل هذه المغامرة خوفا من خطر المتعة!

    ذهبت للسفارة في الدوحة واستخرجت التأشيرة في أقل من أربع وعشرين ساعة، فأول ما وضعت الجواز حوالي الثانية عشرة ظهرا لم يزد الموظف عن أن التفت للورقة ثم قال: للمعرض؟ قلت نعم، فطلب المبلغ حوالي خمسين دولارا، وقال في الصباح تأتي في الساعة الثامنة لأخذ التأشيرة دون بحث حاسوبي ولا سؤال ولا وثائق أخرى، وكان ما وعد به، وقد كنت أتوقع تعقيدا كتعقيد الأوروبيين أو رفضا، ثم اتصلت: "أخذت التأشيرة"، وحددنا يوم لقائنا في طهران الجمعة 752010م.

    لفت انتباهي في مطار طهران نظافته وسلاسة الاجراءات، وقد كان بجانبي في الطائرة التي أقلتني من الدوحة تاجر هندي هندوسي عاش في منطقة الخليج العربي أكثر من ربع قرن، ثم افتتحت شركته الأمريكية "بيبسي كولا" فرعا في إيران فذهب إلى هناك، وقد أثنى كثيرا على أخلاق الإيرانيين وتعاملهم وأنهم لا يغشون وتعاملهم رفيع وطعامهم جيد وأرضهم جميلة، كدت أقول يكفي "هجاء". وحدثني عن جبال شمال طهران العالية التي يكسوها الثلج أكثر العام، فرفع حديثه عن صدري غما وقلقا كثيرا من بلاد غريبة، ولما رأى الحمص في الصحن قال: "في طهران لا حمص ولا تبولة ولكنك ذاهب إلى بلاد الكباب"، وكان ما قال، فالطعام في إيران في الجملة جيد، و بحسب المكان. كما لم أجد أن بالامكان الحصول على المال من النوافذ البنكية المنتشرة، فهي فقط للبنوك الإيرانية، ولا تتوفر نوافذ للبنوك الأخرى، وكان هذا أول وجوه الحصار التي تواجهك هناك، غير أني كنت قد توقعت هذا واحتطت لنفسي.

    ثم وصل أمير الرحلة ورفيقه الدكتور عبد الله المعيلي في فجر اليوم التالي والتقينا في المعرض، لأنهم وصلوا متأخرين ولم يناموا، أما أنا فباكرت الكتب. وقد أوصلني للمعرض الشاب نفسه الذي لقيني في المطار وهو شاب كردي سني نبه لغته العربية جيدة يقول تعلمها مبكرا فقد كان حريصا على تعلمها وكان يستمع للراديو وللبرامج الدينية العربية ليحسن لغته، واللغة العربية في إيران منتشرة إلى حد ما في صفوف المثقفين وبخاصة المتدينين، واللغة الفارسية تكتب بالحرف العربي ومملوءة بالكلمات العربية، حتى إنك تستطيع معرفة الموضوع في الجريدة وأحيانا التوجيهات الموجودة في اللوحات دون ترجمة. فمثلا وزارة الاقتصاد اسمها: "وزارة أمور اقتصاد" ومحل تعمير أو إصلاح الهواتف الجوالة: اسمها: "تعمير موبايل" وهكذا. حتى لتذكرك بعض العناوين الكثير من الفصيح العربي المنسي، ففي عنوان الجريدة عن لقاء للناشرين يتحدث الولي الفقيه إليهم بأن "عرصة الثقافة عرصة جهاد" عرصة أي حلبة، أو ميدان كما في: "عرصات القيامة".

    3

    تعطي الحكومة الإيرانية اهتماما كبيرا بمعرض الكتاب، فمثلا يزوره المرشد الأعلى للجمهورية، وقد صوّروه وهو يمر على عدد من الناشرين، ويقبل مصحفا ناولته إياه إحدى البائعات، ويستقبل الناشرين في قصره، ويعقد معهم لقاءا، وفي آخر يوم يكرم رئيس الجمهورية الناشرين. أما القسم العربي من المعرض فيقع في خيمة واسعة يزيد طولها عن مائة متر وعرضها نحو عشرين مترا فيها ناشرون عرب كثيرون أغلبهم من السنة، وتحديدا من مناطق الشام بيروت ودمشق وعمان وقليل من غيرهم كمصر فهناك من الناشرين الرسالة والمؤسسة العربية، ومن دور النشر السلفية التي رأيت كتبهم دار ابن حزم وابن كثير وآخرين، كالعبيكان، والشبكة العربية، ومكتبة الإحسان وهي مكتبة إيرانية كثير من كتبها سنية إن لم يكن أكثرها حيث يهتمون بكتب الشافعية والأحناف.

    كما أن علماء آسيا الوسطى ـ من الأحناف وعلماء وطلاب أفغانستان وباكستان وغرب إيران وجنوبه وشرقه في كردستان وعربستان وبلوشستان وهم يزيدون عن خمسة عشر مليونا ـ يحبون الكتب التراثية العربية، ويقبلون عليها، ولكنها قليلة وغالية السعر عليهم، وكثيرون من تلك المناطق المجاورة يقبلون على المعرض وعلى الكتب الفارسية، لأن اللغة الفارسية غنية بالتراجم عن اللغات وخاصة كتب الأدب كالروايات الغربية وكتب الفكر والفلسفة. وهذا مؤشر ثقافي كبير فحيث تنتشر كتب الرواية تتراجع كتب الدين، ويتراجع التدين، وتشير إلى التحولات الثقافية العلمانية في المجتمع.

    أما عن القاعة الرئيسة للمعرض، فهي مخصصة للكتب الفارسية، وللبعثات الثقافية الحكومية، ومن الحاضرين العرب الإمارات وعمان، في الطابق الثاني، وكان بعض العرب يحضرون في السنوات الماضية ثم قاطعوا، ولعل تلك القاعة الرئيسة من أكبر ما رأيت من قاعات المعارض وأجملها، مزدحمة جدا بالكتب والزوار، ومع ذلك كان الدليل يقول لنا إنها الآن أقل ازدحاما من يوم الجمعة بكثير، ويذكرون أعداد الزوار بالملايين ولكن تلك الأماكن يصعب تصور أن مليونين زاروها في يوم الجمعة كما قال الدليل. وقد قرأت في جريدة "طهران تايمز" عن عدد زوار العام السابق 2009 بأنهم كانوا خمسة ملايين زائر، وعن تلك القاعة أنها عادة ما تكون مصلى العيدين الفطر والأضحى، وبجوارها مسجد لم يتم ومنارات هائلة الارتفاع، بدأ بناؤها في بدء الثورة ثم لم يستكمل إلى الآن!

    من المناقشات التي نشرتها جريدة طهران تايمز، سخط الملالي من لباس النساء في القاعة، لأنهن يلبسن لباسا غير محتشم في مكان الأصل فيه أن يكون للصلاة، اسمه الأصلي: "مصلى الخميني"، وهناك مطالبات بإعادة أو نقل المعرض إلى منطقة المعارض الأوسع، وأحد الآيات احتج وطالب أن يسمح الرئيس بمحتسبين على الأبواب يمنعون غير المحتشمات من دخول المعرض، فهو يقول إنهن حولنه إلى معرض أزياء أو "موضة" ونقلت الصحيفة عن بعض العلماء الذين قدموا من قم بأنهم عادوا بقلوب مكسورة مما شاهدوا في المعرض. وهناك نقاش في البرلمان بشأن هذا، ومطالبة بتغيير وزيرة الثقافة ومطالبة من بعضهم الا تكون الوزيرة إمرأة، أو تحول صلاحية الإشراف على المعرض إلى المشايخ لأنه يعقد في "مصلى".

    وقد حضر المعرض كما تقول الجريدة نفسها 1129 ناشر، من ثمانين بلدا، بزيادة عن العام السابق. وهناك مناطق خاصة بالناشرين الأجانب وقاعات خاصة بكتب الأطفال، وبالكتب الأكاديمية. وقد منعوا -إلى جانب بعض الكتب السلفية- كتبا لبعض الشعراء لما يرون فيها من فساد أخلاقي. أما عن الكتب العربية الممنوعة فكان من الممنوع كتب الشيخ القرضاوي وقد صدر المنع بسبب نقده الأخير للشيعة، ومنعوا النسخة العربية من تفسير الشيخ السعدي ويسمحون بتداول طبعته الفارسية، لأن الطبعة العربية عليها مقدمة لتلميذه ابن عثيمين، ولأن له كلام صعب عنهم، فقد كان ممنوعا، أما كتاب الشيخ عائض القرني "لا تحزن" فقد رأيت أحد كبار الآيات يقلبه في مكتبة العبيكان ثم مدحه أحد شبابهم لهذا الآية وقال إن الكتاب مليئ بالآثار أو نحوه، فقام صاحب المكتبة بإرسال نسخة هدية للآية. ومن الممنوع أيضا كتاب للعريفي انتقاما لنقده للسيستاني.

    أما الحضور العربي في المعرض، فلم يكن كبيرا في حدود 50 ناشرا أو مكتبة عربية تقريبا، وكانوا في الخيام في الخارج إلى جوار الناشرين الأجانب وهم من الغربيين غالبا كانت بضاعتهم من الكتب العلمية الأكاديمية إلا قليلا. ولم أجد عندهم من الكتب الإنسانية ولا الأدبية ولا السياسية ما يذكر.

    ويعاني الناشرون من تذبذب أمزجة المراجع فيما يتعلق بفسح الكتب ونشرها فقد يسمح شيخ ويأبى آخر، فيضيق ذلك فرصة وصول الكتب بسهولة، علما بأن الكتب لا تنبش غالبا من داخلها عن محتواها فتجد في معارضهم كتبا شديدة النقد عليهم، وقد وجدت كتبا تمتلئ بنقدهم ونقد عقيدتهم، والتشنيع على الرافضة، ولعل السبب قلة من يتابع النصوص العربية.

    ومن مجرد الإطلاع على القاعة الفارسية الرئيسة، ترى مظهرا رائعا للإقبال على القراءة وتنوع دور النشر وكثرة الرواد وكثرة الناشرين، لا أعلم إن كان في العالم النامي ما يقارن به، ويقال إن معرض القاهرة أكبر ولكنه ليس أرتب ولا أنظف. أما رواد المعرض من خارج البلاد فهم غالبا من الناطقين بالفارسية في المناطق المجاورة من باكستان وأفغانستان وأذربيجان وغيرها.

    4

    بعد ثلاثين عاما من الثورة، لم تتخل البلاد عن الشعارات، فالشعارات ملح الثورات، ولكن لما يطول الزمن تفقد طعمها وأهميتها، وفي الميادين وعلى الطرق الرئيسة تجد تلك اللوحات الكبيرة وفيها كلمات ترحيب فمثلا في مدخل طهران يقول ترحب بك في "أم القرى" وقد ترجم لي المترجم المعنى بأنها تعني "عاصمة المسلمين"، وشعارات تجدها أيضا عن "إمام المسلمين"، مع إشارات متناثرة كثيرة على أن البلاد هي المرجعية الإسلامية للعالم. وبعض الشعارات لها معان جميلة، مثل: "العاقل يعمل والهبل يأمل" وكلمة أخرى تنتشر على السيارات وغيرها وهي دعاء بخروج الإمام المنتظر " اللهم عجل لوليك الفرج" وكلمات منتشرة كثيرة مثل "إمام زمان" وشارع "إمام زمان" أما كلمات: فاطمة وحسين ومعصومة وعلي وآل البيت فتلوح لك في كل زاوية.

    ولعل من الجدير بالفهم في الثقافة الإيرانية الجديدة، ما أحدثه حزب البعث العراقي من صياغة لفكر الثورة أثناء الحرب وبعدها، فقد كانت الثورة كما تدل أدبياتها الأولى قبل الحكم وفي بدايته أنها كانت تتجه للوحدة الإسلامية، وكان كبار مفكريها وصائغي توجهها من أمثال شريعتي (الذي تأثر به الخميني كثيرا بالرغم من أنه في سن ابنه ـ راجع راي تقية، إيران الخفية الفصل الأول) ومطهري ومنتظري يتجهون للعالمية الإسلامية، وللتسامح القومي وللجذور العربية الإسلامية للثقافة في فارس، غير أن الخصم والموقف العربي اضطر الثورة وإمامها وممارساتها لأن تعتنق العقيدة القومية الأوربية المتطرفة، دون إعلان، وتبقي الكثير من التوجهات الإسلامية في الخارج في دائرة الدعاية. وذلك المرض أشبعه بحثا قبل حدوثه علي شريعتي في التشيع العلوي والتشيع الصفوي، إذ يرى أن الصفويين أوقفوا الفتوح العثمانية في أوروبا، بسبب ما فتحوه عليهم من حرب في فارس والعراق.

    ويبدو أن من الصعوبة أن تتخلص إيران من سموم القومية التي ترسخت واختلطت بالدين، رغم ما تسببه هذه التوجهات القومية من متاعب لها مع الجوار ومع الأجناس غير الفارسية في داخلها كالعرب والكرد والبلوش والأذريين، والتشيع لن يكون كافيا ولا مقنعا لهذه القوميات التي التحقت بمذهب الدولة ولكن الدولة لم تستوعبها سياسيا. وخطاب المناوئين للحكومة بقي في حدود التخفيف من التطرف السياسي والديني ولكنه لا يلمس قضايا كبيرة تهم المنطقة، وإن كان يظهر أنه أكثر تسامحا، وتركيزا على هموم الداخل.

    5

    أكراد إيران يعانون من مواجهات مستمرة مع الحكومة وبخاصة المجموعات القومية المحاربة منهم، وقد تشيع نحو ثلاثة أخماسهم كما قيل، والمتشيعون الجدد فيهم تعصب شديد للمذهب الذي جدّ عليهم واعتنقوه، كما أخبرنا أحدهم، والبقية ممن بقوا سنة تعاني من قلة المعرفة باللغة العربية وقلة الكتب في الثقافة الكردية، وبعض مثقفيهم وخاصة من السنة يحرص على الحصول على المصادر الشرعية بالعربية ولا يجدونها، وبالتحديد كتب الشافعية، لن غالبية سنة إيران شوافع أو أحناف وفي الجوار أكثرهم، وبعض السلفية تيسر أحيانا عليهم بعضها إلى جانب كتب الحنابلة. وفي حديث مع عدد من الشباب السني ذكروا أنهم يتمنون الدراسة في البلاد العربية لأسباب دينية ويقولون إن الطرق أمامهم مغلقة، وبعضهم يأتي للدول العربية بمنحة ثم يطرد لأوهام سياسية. ويؤكد أحدهم أن إيران قدمت منحا سخية حكومية أو عن طريق الآيات لأكثر من خمسمائة طالب من واحدة من دول الخليج ذات الأقلية الشيعية في الحوزات.

    أما داء التعصب القومي الكردي لدى بعضهم، فكبير، ولا يختلف في إيران عنه في غيرها، بل يفتك بالأكراد ـ للأسف ـ فيروس القومية، أكثر من أي شعب أخر في العالم الإسلامي، ولعل أهم أسباب ذلك أنهم صحوا متأخرين على وجودهم في منطقة يسودها تطرف قومي من متطرفي البعث العربي في العراق خاصة ـ إذ لا يجدون المشكلة نفسها في سوريا حتى إنهم تسلموا القيادة السياسية في السابق والدينية كثيرا ـ ومتطرفي الطورانية التركية، ومتطرفي القومية الفارسية، فامتصوا هذا التطرف المحيط بهم ليصنعوا تطرفا أشد، حتى إنه لما يرد ذكر صلاح الدين الأيوبي ويمتدح وهو من أصل كردي فقيل لنا إن الكرد يلومونه ولا يرون امتداحه لأنه لم يصنع شيئا خاصا بالكرد! وتلك عقدة عند من يفكر بها وأرجو أن يكونوا قلة لأن صلاح الدين زعيم أمة لا زعيم قومية، ولم نهتم وما كنا نعلم أنه كردي من تكريت إلا بعد زمن طويل، واختزاله في قومية يقلل من قدره ومن دوره الإنساني العالمي.

    ومنطقة كردستان منطقة من أجمل بقاع إيران وأوفرها ثمارا وخيرا، وهي الآن معبر للتهريب من وإلى العراق، وقد كثر فيها تهريب الخمور من العراق إلى إيران، ومرة سأل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد غريمه الرئيس العراقي طالباني لماذا تسمحون بتهريب الخمور من بلدكم إلينا؟ قال العراقي طالباني ولماذا تشربونه أنتم؟ وتتوفر إحصاءات مرعبة عن استهلاك الإفيون في إيران يصل بعضها إلى القول بأنه خمس المنتج في العالم، وكثير منه يصدّر عن طريق الحدود التركية، إذ كان يصل للحدود الأفغانية الكيلو بنحو ألفين وخمسمائة دولار ولما يبلغ حدود تركيا يكون قد تجاوز الخمسة آلاف دولار إلى عشرة أضعاف السعر لما يبلغ أوربا الغربية.

    أما المخدرات، فلعل إيران أكبر سوق يستهلك ويستورد المخدرات وخاصة الإفيون من أفغانستان فالسوق الأكبر والأٌقرب لأفغانستان هي إيران، وتمتلئ الأخبار حول العالم بأنباء هذا الداء المكتسح لإيران.

    ـ قم:

    تبعد قم نحو ساعة ونصف بالسيارة جنوب طهران، وعندما تكون على مشارف المدينة ترى القباب الذهبية لقم، وتسير حتى تصل ما يسمونه بـ: "الحرم"، وفي قاعات حرم المعصومة أو المسجد الكبير في قم رأيت مشهدا لا يمكن تخيله إلا في كتب التاريخ والتراث، وكان أكبر ما تخيلته من حلقات العلم ـ لا الوعظ والخطابة ـ قديما حلقة الإمام الغزالي في بغداد كما وصفها تلميذه ابن العربي، إذ كان في حلقته أربعمائة عمامة، وهو يعني من العلماء أو المتقدمين في العلم، ولكنك في قم ترى مشهدا وافدا من وراء الدهور، حلقات بجانب حلقات، من طالبين أو ثلاثة أو عشرين وأكثر، على رؤوسهم العمائم وبأيديهم الأوراق والأقلام والدفاتر والكتب في نقاش وجدل وكتابة وآذان مصغية وأعناق ممدودة وأعين شاخصة في متحدث، وأخرى متوفزة للرد، وبحر من اللغة والعقيدة والجدل والمنطق والفقه والفلسفة. يمر بهم الزوار والسواح والمصلون ولا يلقون اهتماما لغير ما هم فيه. هذا في حرم المعصومة وعلى جوانب المسجد قاعات للمحاضرات أشبه بالفصول الدراسية المتوسطة بعضها يسع الثلاثين طالبا أو أكثر، وملاصق للقاعات من الخارج توجد المدرسة الفيضية الشهيرة التي كانت فيها أول شرارة لمعارضة الخميني وفيها قتل الطلاب المعتصمون عام 1964م.

    في زاوية من المسجد يوجد قبر المعصومة، حيث تسكب الدموع، وتبذل الأموال، وهو قبر يطاف به، وقد جاءوا بجنازة ونحن هناك فطافوا بها على القبر، ثم أخرجوها للساحة وصلوا عليها، وقال زميلنا إنهم أعطوا مالا للإمام بعد أن صلى على الجنازة.

    في إيران تشاهد حضور قصة المال في المزارات والمساجد بشكل ينتقص المظهر الإيماني للمسجد ودوره، حتى يكاد الدين أن يكون تبادلا ماليا، يشبه ما يحدث في الكنائس أو أكثر.

    على مسافة قريبة، تقع مكتبة مرعشي الشهيرة غير بعيد عن المسجد وكانت مغلقة وقت مرورنا وهي من أهم مخازن المخطوطات التراثية الإسلامية في العالم، للمرجع الشهير الذي كان يجلب إليه المال والكتب من كل مكان. وبجانبها مكتبة لبيع الكتب وجدنا فيها قليلا من المنشورات والمجلات بالعربية، بعضها مطبوع في لبنان و البقية في إيران، وكالعادة تتوفر كتب الخميني وتراثه بالعربية وغيرها في أغلب المكتبات. وملاصق للمكتبة مؤسسة "تبليغات" للدعوة الدينية عبر العالم، ولكل منطقة مكتب يشرف على عمل الدعوة في بلد ولوحة على الباب تحدد إدارة الموقع، وكان المكان نظيفا ويبدو أن عمّاره من العلماء والدعاة، وقد صلينا معهم في المسجد العصر والظهر حين أغلقوا المكتبة للصلاة وهم يجمعون صلاتي الظهر والعصر بين الوقتين تقريبا.

    وقد انقسمنا ما بين من يرى صحة الصلاة خلفهم أو يرى متابعة الإمام ومفارقته بالنية ومن لا يرى الصلاة معهم نهائيا، وأصبح كل منا مفتيا ولو لصلاة واحدة وفي النهاية انتهى الأمر بأن صلى إثنان معهم وخالف اثنان، وحمدنا الله على الوحدة الإسلامية حتى بيننا!

    وغير بعيد من مكتبة المرعشي هناك بيت الخميني، بيت متواضع سكنه مدة سبع سنين إلى عام 1964 العام الذي أخرج فيه من إيران، بيت صغير متواضع، ولكنهم يعملون على تجديده ربما ليكون مزارا أو معلما سياحيا،.وكان القيّم على المكان يتحدث العربية، لقد كانت زيارة قم من أطرف ما في الرحلة، وكنت قرأت في أكثر من مصدر أن أصل سكانها من العرب، وكانت تتحدث العربية دهرا طويلا. ولعلها شاقت العرب فسكنوها لأنها جرداء وبعيدة عن الماء والثلج والأشجار.

    ـ دور اللغة والحصار في تكوين دين قومي جديد:

    لا يليق أن يستهين أحد بنتائج المقاطعة الغربية الطويلة لإيران، وإلزام العالم بما فيه المسلمون بحصارها، ذلك الحصار الذي لم ينجح في كسر شوكتها القومية ولا الدينية، فقد ساعدتها العزلة على تطوير نفسها في عالمها الخاص في كل شيء، خسرت كثيرا من الحصار، ولكنها في الوقت نفسه وبخليط من الدين والروحانية والقومية والثقة في النفس، ترعى أو تصنع تيارا متعاليا غاضبا يتزايد، قد تكون نتائجه وخيمة على الجوار كله، فالذين غسلوا عار 1953 بثورة 1979، لا يستبعد الإنسان انتقاما أوسع مستقبلا من الجيران والبعداء بسبب هذا الحصار الطويل.

    وبما أن الجوار لا سياسة له من بلدانه، فإنه يجب أن يكون صريحا مع نفسه دائما، ويعلم أن الأجانب مهما أقاموا وابتزوا واحتلوا واغتصبوا فإنهم راحلون، وتبقى شعوب هذه المنطقة لزمن أطول فلا يغرسوا بذورا للأحقاد وللتدمير الذاتي، وليخففوا من ثقافة المحتلين التي تقوم دائما على قاعدتهم "فرق تسد" وهي تعني للمغلوبين "ميز تتدمر"، وليلمس جيرانهم منهم أنهم ليسو مصدر شر عليهم، بل احترام متبادل ونزع لكل عناصر التضييق والحصار، أو على الأقل لا تزرعوا في عقول الفرس أنكم مصدر البؤس والضيق في حياتهم، لا مصلحة لكم أن تزرعوا الحقد لتحصدوا الحرب، ومن أغراكم بالحصار سيقلب لكم مستقبلا ظهر المجن، فيتحصن ويترككم في العراء.

    عندما كان نابليون يدوس ألمانيا تحت قدميه، كان العقلاء يحذرون الفرنسيين من السموم المستقبلية التي يصنعها الفرنسيون لأنفسهم في قلوب الألمان، كانت فرنسا تجتاح المقاطعات الألمانية المتوحشة المتخلفة، بأن الألمان لن يبلعوا الضيم طويلا، ولكن الفرنسيين كرروا كل تلك المآسي، حتى صحوا على هتلر يغتصب فرنسا ويسير في شوارع باريس بكل جبروت كما فعل نابليون ويقول ها أنا أرد لكم ما أسلفتم.

    ورأيتم من قريب كيف استخدموا صدام لصد الثورة، ثم اغتصبوا العراق ونهبوه ثم قتلوه، وأسلموه لخصومه، كتب الصحفي الإيراني "محمد صادق الحسيني"، حينما أستنكر بعضهم عدم تدخل إيران في أول حكومة عراقية، فقال إنه سأل مسؤولا إيرانيا عن السبب فقال له المسؤول: بالله عليك لو شكلت إيران الحكومة العراقية هل يمكن أن تعين أحسن لها من هؤلاء؟ وكان يتحدث عن حكومة الجعفري.

    6

    بالرغم مما أظهرته الثورة من أنها حركة عقلية واقعية وتحررية إلا أنه يوازي ذلك تراجع مضاد في تسييد الخرافة، والمبالغة في نفوذ أرواح التقاة والتعلق بالأولياء والعبّاد ومن قيل إنه من الخيّربن!

    فهناك مساجد ومشاهد ومقابر تشيّد بشكل عظيم ومبالغ فيه، وكأن بعضهم يراها بديلا عن العتبات المقدسة وقبور الأئمة في العراق، وقد تكون بديلا مستقبليا عن الحرمين، وبديلا عن زيارة المراقد التي تزار في العراق،، ولا أستبعد سببا اقتصاديا لهذه التحولات في المواقع المقدسة.

    عند دخولنا منطقة قبر الخميني توقعنا أنهم سيطالبون بمال، ولكنهم تركونا وأعطونا بطاقة "صلوات"، وهي تعني مجانا أو صدقة أو لتقوم بالدعاء لصاحب المقام، في مسجد الخميني ترى قبرا على ناحية المسجد اليسرى في المقدمة وتراه أشبه بالقبر النبوي ومعه قبر أحمد ابنه، وزوجته تحت صندوق على بضعة أمتار قليلة.

    من الملاحظ أن السياسة والعنصرية والحصار الاقتصادي والسياسي والديني واللغوي، يبدو أنها تصنع كل يوم وحدة وتكوينا جديدا لدين جديد وثقافة خاصة، منها التمرد العقلاني ومنها الإغراق الخرافي، ومنها الخروج إلى التغرب ومنها الإلحاد، وهذا ليس نتاجا لمستجدات جديدة، وخاصة ما يتعلق بالخرافة، بل بعضه من زيادة الخيالات التي تضخمت عن آل البيت وعلاقات الهوية الخاصة التي تنشأ بقوة وتميز في إيران، وهذه بدورها تساعد على صناعة هذا التكوين الجديد، قد يسمح للحكومة بفوائد مركزية وتميز واستغلال للتابعين وانغلاق على اللغة والثقافة الفارسية والتميز العقدي الجديد.

    لا شك أن المفارقة اللغوية، وضعف اللغة العربية لدى المتعلمين لعلوم الشريعة ـ وقد حذر من هذا كثيرا مطهري ـ وهذا الانفصام اللغوي والسياسي عن العربية، والبقاء داخل أسوار الفارسية والتشيع أضعف الدين واللغة، وساعد على بناء مشاعر تميز قومي وعقدي، فأصبح أشبه بدين خاص ينمو في مكان خاص ولغة خاصة.

    قابلت الشيخ هاني فحص الشيعي اللبناني المعروف، في مؤتمر في القاهرة في نهاية شهر يونيو وذكرت مستغربا التشكل الجديد لملامح دين وهوية متميزة وجديدة في إيران، فقال هذه الظاهرة الجديدة بدأنا نسمع عنها وهي ما يسمونه بـ(الدين الشيعي). ولكم آمل أن تكون هذه الانطباعات مجرد أوهام لا حقيقة لها.

    إن الثورة والحصار أنتج حالة مخيفة من العزلة إن لم يتم التغلب عليها بانفتاح وتذويب للأحقاد فسوف يزيد من اكتنازها باتجاه التدمير الداخلي أو الخارجي، ومؤشرات الغرب تلوح بالتمدد الخارجي في منطقة فارغة عقديا وسياسيا واحتلال غربي يعاني ولا يستبعد أن يبحث في إيران عن منقذ لسياسته هو لا لإيران، وقد تكون جاهزة لممارسة دور الوصي على من لا سياسة له ولا توجه.

    وقد قرأت في أكثر من كتاب من كتب الكاتبة الأمريكية روبن رايت، التي تابعت الشأن الإيراني طويلا وعن قرب، وكانت تدخل قصر الحكم وتحاور الحكومة والمثقفين المناوئين لها، وتشيد أو تشير إلى دين البروتستانت الجديد في الإسلام، أو "المحتجين" وتشبه التحولات في إيران ـ وربما تغري عن قصد ـ بقصة نشوء البروتستانت الألمان الخارجين على الكاثوليكية، وتؤكد على دور "سروش" وتنفخ فيه وأنه يقوم بدور يشبه ما قام به مارتن لوثر، بل وتسميه لوثر الإسلام. وترى أنه كما كانت ألمانيا مهد البروتستانتية فسوف تقوم فارس بدور ألمانيا في صناعة الدين الجديد.

    ـ مستبصرون وآخرون:

    المتدينون الجدد أكثر تعصبا من أصحاب المذهب أو الدين الأقدم، وهذا ما تجده لدى اللاحقين الجدد بأي دين وثقافة، أو مذهب جديد، أو من يحبون أن يثبتوا أنهم في قلب تلك الديانة أو المذهب، هذه ملاحظة صاحبنا الكردي على المعتنقين الأكراد الجدد للتشيع، وكذا ملاحظة هاني فحص وهو يتحدث عن "المستبصرين".

    المستبصر عندهم هو المغير من المذهب السني إلى المذهب الشيعي، قال الشيخ هاني قابلت شيخا كرديا في إيران فقدم نفسه لي بأنه "مستبصر"، قال قلت له وهل كنت أعمى؟ وقد لاحظت عند شيعة العرب في لبنان وبين بعض شيعة العراق انتقادا شديدا للتشيع الجديد المشبع بالخرافة، ولكن الشيخ هاني نفسه قال كنت أناقش لاريجاني عن قصة الخرافات المضافة للتشيع الإيراني فقال نتخلى عن الخرافة ونرسلها إليكم، ومن رأى عامة من شيعة العراق في عتبات قم لاحظ هذه الظاهرة حيث العرب بالثياب العربية والغتر العراقية وملابس عرب إيران يتمسحون ويقبلون الجدران والأبواب والحوائط لرأى عجبا لا يعقله عاقل، فما الذي جعل هؤلاء يتمسحون بالصخور وبالأخشاب.

    وقد لا يكون الشيخ هاني أفضل من يمثل رؤية عقدية ولا سياسية للتعريف بما يدور ولكن ليس كل قوله باطلا، وبخاصة إذا أيدته الملاحظات والشواهد الحقيقية. ويقابل ذلك موجة أخرى أكثر عقلانية ـ ربما إلى حد التطرف ـ ضد هذه الخرافات، تجد تطرفها في شخصيات ثقافية وسياسية عديدة منهم ومن الطائفة نفسها في الخارج كالكاتب الأحسائي فؤاد إبراهيم الذي يستنكر هذه الظواهر الخرافية.

    يرى فؤاد سبب تصاعد هذه الخرافات حرمان العراق من الطقوس الشيعية لأكثر من عقدين من الزمان، فأقبلوا عليها بشغف، ثم استغلال السياسيين الذين لا قواعد شعبية لهم للبحث عن جماهيرية بين عامة الشيعة، ولهذا نرى بعض السياسيين الشيعة ممن لا يعتقد في هذه الزيارات ولا المواسم يمشي وربما حافيا ما بين البصرة والكوفة بحثا عن جماهيرية دينية، وعن أنصار حزبيين.

    ثم يخشى الكاتب من تسرب هذا التشيع إلى الشيعة خارج العراق، يقول: "هذا التشيع الذي نجده اليوم، هو في ظني وأعتقد بأنني أدين الله به سواء في الدنيا والآخرة، فإنّ هذا التشيع الذي قرأته في الكتب ليس هو التشيع الذي نراه اليوم.. هذا التشيع الذي نراه اليوم هو ما حاربه أئمتنا في حياتهم.. ونحن لا نتحدث عموماً ولكن أتحدث وفي مخيلتي بعض النماذج الحاضرة، ومنها النموذج العراقي، وقد أعذر ربما من يمارسون هذا التشيع، باعتبار أنّ العراق انقطع عن العالم وعن حركة التحولات الفكرية الشيعية لعقدين من الزمن (من 1980 إلى 2003).. وبالتالي أنا أعذر ظهور هذا التشيع ولكنني ألوم الذين جاؤوا من الخارج وتبنوا واعتنقوا ولو جزئياً هذا التشيع الشعبي.. ثم هذا التصدير الذي حصل بعد عام 2003 إلى مناطق أخرى" (كل الوطن،452010م، عن محاضرة في بيروت)، وهنا يبدو أن لاريجاني أدرك ماذا يصّدرون، وقد ينفع سياسيا.

    يمكن متابعة بقية المقالة على الرابط التالي
    http://www.alasr.ws/index.cfm?method=home.con&contentid=11541



    المشاركة السابقة : المشاركة التالية
    الكاتب: (زائر)
    زائر


    التسجيل : الخميس 01-01-1970
    لمشاركات : 1
    مراسلة موقع

    [تاريخ المشاركة : الأحد 01-08-2010 07:10 مساء ]
    لقد قرأت الموضوع كاملاً يوم أمس ولقد استمتعت بسرد الدكتور لزيارته لإيران والحقيقة أن آخر بلد كنت أفكر بزيارته هو إيران لكن هذا المقال غير رأيي تماماً ، شكراً للدكتور .



    ------------------


    الكاتب: (زائر)
    زائر


    التسجيل : الخميس 01-01-1970
    لمشاركات : 1
    مراسلة موقع

    [تاريخ المشاركة : الإثنين 02-08-2010 02:08 مساء ]
    رائع جدا ..
    شكرا للدكتور ..



    ------------------




     
    Powered by: Arab Portal v2.1 , Copyright© 2007-2010