علي الشدوي - التفكير التاريخي في نجد 3 ( خاص بمنبر الحوار والإبداع )
بواسطة: هيئة التحرير بتاريخ : الأحد 14-03-2010 07:37 مساء
يجد التدوين التاريخي في العقيدة دافعه الأول، وفي الدين العلة والمبررات ( العروي ، العرب والفكر التاريخي ) لذلك فالمنطق متكامل، لا خلل فيه . خلو نجد من التدوين التاريخي في مرحلة ( السوابق ) يعني افتقاد الدافع والمبرر والعلة ؛ أي العقيدة والدين .
التفكير التاريخي في نجد 3
علي الشدوي
( خاص بمنبر الحوار والإبداع )
يجد التدوين التاريخي في العقيدة دافعه الأول، وفي الدين العلة والمبررات ( العروي ، العرب والفكر التاريخي ) لذلك فالمنطق متكامل، لا خلل فيه . خلو نجد من التدوين التاريخي في مرحلة ( السوابق ) يعني افتقاد الدافع والمبرر والعلة ؛ أي العقيدة والدين .
توفر الدافع والمبرر فدون ابن بشر تاريخه . يقول : " لأن السنين التي بعدها ( السنين الشريرة ) هي التي لأجلها وضع هذا الكتاب، ووقع عليه الخطاب .. فهي( السنين النَّيِّرة ) أحق بالتقديم؛ لفضلها وفضل أهلها، ولكونها من السنين المباركة على أهل نجد؛ بأمان السبل، واتساع في معاشهم، وأسفارهم، وحجهم، وإذلالهم عدوهم وقهرهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( ص 16 ) .
أَنْ تكون فترة التدوين التاريخي مباركة، وذات فضل، وأن يكون أهلها فضلاء ، فذلك يعني أن ما قبلها فترة ليست مباركة، ولا ذات فضل. أهلها غير فضلاء؛ لذلك ندر فيها التدوين التاريخي . السبب في ذلك عقدي وديني . مرحلة السوابق أو السنين الشريرة كانت على العكس مما جاء بعدها؛ لا أمان ، ولا اتساع في العيش والأسفار. لا حج مطمئن، ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر .
يلفت النظرَ موقفُ ابن بشر من ( السنين الشريرة ). يقول أما السنين التي سبقت قيامهم ( آل سعود ) فغلب فيها الإشراك والضلال والجهل والظلم وفتن كقطع الليل المظلم ، وقتال بين أهل كل بلد عدوانا وحمية جاهلية، وتحالف وتفازع وعصبية، وكل بلد فيها رئيس فأكثر لا يزال يقع بينهم الشر، فهم في أيامهم في طغيانهم يعمهون . تارة يتقاتلون، وتارة يتسالمون، فلا يسافر ذو الحاجة فرسخا أو ميل[1] إلا كاد يرجع مسلوبا أو قتيل، فناسب وضع هذه السنين الشريرة تحت هذه السنين المنيرة؛ فإن الأشياء لا تعرف إلا بأضدادها (جـ2/242 ) .
لا يمكن أن نغفل عن مستوى الحالة الحيوانية التي تشير إليها عبارة ابن بشر . هناك أناس متوحشون، غير مستأنسين، يأكل بعضهم بعضا، حسب ابن خلدون. أناس في حالة من الهمجية والتوحش تمنعهم من أن يكونوا جزءا من الحضارة عند هيجل ( هنداوي، 1996،ص35 ).
ترتب على ذلك أن لا مكان لهم في التاريخ؛ لأن إنسانيتهم تخلقت بأخلاق حيوانية . هذه الأخلاق هي شيء آخر غير الحيوان؛ لأن البشر يتخلّون عنها فهي ليست طبائعهم، وهذا ما حدث بعد التحالف .إن الاختلاف لا التشابه بين المرحلتين هو الذي سمح لابن بشر بالتعرف. لا يلاحظ الاختلاف في التشابه باعتبار الاختلاف عن الأصل في صالح الحقيقة .
يسرد ابن بشر أحداث السنين الشريرة، ولا يتردد في إيراد الحكايات والنكبات كالفاقة، والجوع، وهلاك النسل، والحرث ؛ ليُرِي القارئ إلى أي حد بلغت جهالة الناس في تلك السنين الشريرة ، وما ترتب على ذلك من مصائب ونكبات قبل دعوة محمد بن عبد الوهاب .
الأمثلة التي أوردها ابن بشر كثيرة ، وسنكتفي منها بما يدلل ؛ كطلوع نجم في السماء قبيل الفجر بطول عمود أبيض عدة ليالي، وبعده نجم له ذنب مضيء ومستطيل بسببهما أرجف المنجمون، وزعموا وقوع أمور مهولة ( ص 196 ). وقوع ظلمة عظيمة نهارا إلى حد أن الناس لم تكن تعرف هل غابت الشمس أم لا ( ص 206 )، غلاء الأسعار إلى حد لا يطاق ( ص 312 )، كثر الجراد وموت الناس من الجوع ( ص 213 )، اشتداد البرد حتى أن أهداب عيون الجمال جمدت ( ص 320 )، انتشار طاعون لم يشهد أحد مثله من قبله ( ص 220 ) .
لا يمكن أن نتغاضى عن اختيارات مثل هذه ؛ فأغلبها تشير إلى غياب العقيدة كاعتقادات الناس في النجوم، أو ما يشير إلى الظلام الذي اعترى إقليم نجد بسبب غياب العقيدة كما تشير إلى ذلك الظلمة ، والعذاب المترتب كالجراد ، والجوع ، والفاقة . وحتى حينما ينقل عن كتب أخرى لا ينقل إلا ما يشير إلى ذلك الفراغ؛ كظهور زنديق في بلاد الروم تبعه كثير من الناس ( ص 192 ) ونقل ما حدث للحرم المكي الشريف من سيول وكوارث ( ص 199، 214 ) .
لا يسجل ابن بشر من الحوادث البشرية، والوقائع الطبيعية إلا ما كان له مغزى يتعلق بغياب الدين والعقيدة الصحيحة. وما يرويه ليس لأنه حدث أو وقع؛ إنما من أجل الاعتبار. هناك حد بين ما يقبل أن يرويه ابن بشر وما لا يقبل أن يرويه، والمعيار من وجهة نظره هو : أن غياب الدين والعقيدة الصحيحة ولدت النكبات والفتن والفوضى الكاملة في المجتمع النجدي .
الحقيقة أن ابن بشر لا يعتقد أن الحوادث تحدت عبثا. وما يميزه هنا هو أنه يسجل الأحداث لأنه يعرف أسبابها . عند مؤرخين آخرين قد يغيب السبب أو يُنسى، لكنهم يحولون الحوادث إلى خبر حجة على ضرورة تسجيلها وحفظها ( انظر العروي ، مفهوم التاريخ ، ص 70 ). يعني هذا أن أهمية الحوادث تكمن في حدوثها، أما عند ابن بشر فإن أهمية الحوادث تكمن في أنها رمز ، ولها مغزى ، فالمجتمع النجدي الفارغ من العقيدة والدين في مرحلة السنين الشريرة مجتمع نكبات وحوادث .
نقرأ في السنين الشريرة أن الإبل تكاد تموت من الجوع والبرد ، في المقابل نقرأ أنها في السنين النيرة خفت ونهضت إلى الجهاد حتى ليكاد راكبوها يسقطون . الفكرة في الحالتين هي ما تشير إليه حال الإبل في زمن الظلام والشر ، وزمن النور ، والمعنى الخفي إلى الجهاد وتعطيله .
ما يلفت النظر أكثر في السنوات التي سماها " شريرة " هو كثرة العلماء الذين ماتوا . لا يكاد تمر سنة من غير موت عالم دين أو قاض . هؤلاء العلماء والقضاة ليسوا مجرد طالبي معرفة، إنما يقولون الحق وينصرونه فجُلّهم قضاة. لا ينزع الله العلم من الأرض إنما يقبض العلماء ، وحينما يموت العلماء تبدأ الأشياء بفقد تماسكها التي طالما رافقها وهم أحياء .
غير أن موت العلماء في تلك السنين لا يعني مجرد فقدهم وغيابهم؛ إنما هو شرط لحياة جديدة في شخص العالم محمد بن عبد الوهاب . أن يموت أؤلئك العلماء يعني إمكانية أن ينهض علماء آخرون يرون الأشياء بعيون جديدة ، يصهرون ما هو مألوف مِن علم من سبقهم مع ما عرفوه . وعمل هؤلاء من عمل أولئك ؛ يرتفعون به فوق التاريخ وهذا ما فعله محمد بن عبد الوهاب .
إضافة إلى موت العلماء، يلفت النظر في تلك السنين قتل الناس بعضهم بعضا؛ قتل الأعيان الأعيان ، ودلالة هذا القتل داخل محيط المجتمع النجدي هو الفوضى الجماعية التي سببها غياب الدين لا السلطة ؛ لذلك ثمة اضطراب يحيق بالمجتمع، ولا بد من منقذ يعيد الأمور إلى نصابها، ويخرج المجتمع من الفراغ والفوضى اللذين كانا شاملين .
نستطيع إذن أن نضيف مبررا ثانيا ( الأول هو الدين والعقيدة ) للتدوين التاريخي عند ابن بشر هو: أن التدوين التاريخي وسيلة للتعرف على فضل الدين في تثبيت الأمن وتنظيم الفوضى والسلم والرفاهية . يقول بعد أن يذكر فضل التدوين التاريخي، وما جرى من نقاش عن بداية الأعوام : " ثم إن هذا الدين الذي من الله به في آخر الزمان على أهل نجد بعدما كثر فيهم الجهل والضلال والظلم والجور والقتال، فجمعهم الله بعد الفرقة، وأعزهم بعد الذلة، وأغناهم بعد العيلة ، فجعلهم إخوانا، فأمنت السبل، وحييت السنن ، وماتت البدع، واستنار التوحيد بعدما خفا ودرس، وزال الشرك بعدما رسا في البلاد وغرس ( ص 14 ).
حدث هذا بعد أن تحالفت عائلتا آل سعود وآل الشيخ . قبل أن تتحالفا، وحينما يتحدث عنهما ابن بشر في السنوات الشريرة، فحديثه عنهما لا يختلف عن أي أسرة أخرى ، إما موت أو قتل . لهذا الأمر دلالته ؛ فما كان الأمر ليستتب من غير أن ترتبطا . هناك إطار عام خفي في طرح ابن بشر هو الارتباط بين الديني والسياسي، وأن أحدهما لازم للثاني ، ليس من قبيل التنظيم والأيديولوجيا، إنما من قبيل أن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .
يسمي ابن بشر ما بعد تحالف العائلتين بالسنين المستنيرة ، والمبرر أنها سنوات توحيد ونظام ؛ يتحدث عن هذه السنوات قائلا : " وجد فيها العمل بلا إله إلا الله ، وجاهدوا عليها في سبيل الله، وظهرت شعائر الإسلام، وبطلت الاعتقادات والمتعبدات المضاهية لعبدة الأصنام ، واجتمع أهلها (نجد) كلهم على إمام . حقنت الدماء وأوفى الذمام ، وصار السلمون كلهم إخوان ... أقيمت الصلوات وأديت الزكوات في جميع هذه الجزيرة على الوجه المشروع بالآيات ( ص 242 ) .
هناك عامل ثالث إذن لتدوين ابن بشر التاريخي هو: إثبات مواطن العزة والشرف للعائلتين : الأولى عائلة مالكة والثانية عائلة دينية . يضيف ابن بشر إلى ما نقلناه عنه في الفقرة أعلاه : " وذلك بسبب من عمت بركة علمه العباد، وشيد منار الشريعة في البلاد، قدوة الموحدين، وبقية العلماء المجتهدين، وناصر دين سيد المرسلين، شيخ مشايخنا المتقدمين الشيخ الأجل والكهف الأظل محمد بن عبدالوهاب أحله الله فسيح جناته، وتغمده برحمته ورضوانه، فآواه من جعل عز الإسلام على يديه، وجاد بنفسه وما لديه، ولم يخش لوم اللائمين، ولا كيد الأعداء المحاربين محمد بن سعود وبنوه ، ومن ساعدهم على ذلك، وذووه خلد الله ملكهم مدى الزمان ( ص 14 ) .
[1] - نحن ننقل الفقرات مثلما هي بأخطائها الأسلوبية والصرفية والنحوية . سنناقش ما تشير إليه هذه الأخطاء في فقرة لاحقة .